محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
17
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المعرفي سوف أجعل الأبعاد التاريخية والانتربولوجية واللغوية لمفهوم الوحي أكثر وضوحا ، وذلك لكي أفتح إمكانيات جديدة من أجل توضيح مكانته المعرفية « * » . وهذا البحث الواسع ينبغي أن ينجز تحت راية ثلاثة موضوعات عامة هي : « الوحي ، التاريخ ، الحقيقة » ، ثم « العنف ، المقدس ، الحقيقة » ، ثم « من أهل الكتاب إلى مجتمعات الكتاب المقدس / الكتاب العادي » . فلنحاول أن نفصّل الكلام في كل واحد من هذه المحاور . المقاربة الظاهراتية ( أو الفينومينولوجية ) إنّ التعريف التبسيطي للوحي في السياقات الإسلامية يقدّم من خلال عبارتين شعائريتين مستخدمتين على نحو عام أو شائع من قبل أي مسلم عندما يستشهد بأي مقطع من القرآن . فهو يبتدئ كلامه قائلا : « قال اللّه تعالى » . . . وينهاه قائلا : « صدق اللّه العظيم » . لا يوجد أي مجال للمناقشة حول التأليف ، أو حول المكانة الإلهية لمضمون النص المستشهد به ، أو حول تناسب الاستشهاد مع الموضوع أو مع الظرف الذي استشهدوا به من أجله . قبل السنوات الخمسين الأخيرة كانت الاستشهادات في النص المكتوب أو في المحادثات الجارية تتمّ من قبل أصوات مأذونة : أي من قبل أولئك الذين يمتلكون ليس فقط سيطرة جيدة على النص القرآني ، وإنما يسيطرون أيضا على تفسيره ( أو يجيدون ذلك ) . ولكن طرأ تغيّر سوسيولوجي ضخم على هذه الممارسة عندما تم إدخال تعليم الدين إلى المدارس الابتدائية الرسمية . وهكذا راح الأساتذة غير المدرّبين جيدا يعلمون الأطفال الصغار « تفسيرا » وحشيا ، هلوسيا ، غير مسيطر عليه . ولعبت وسائل الإعلام دورا كبيرا في هذه الظاهرة عندما ساهمت في زيادة الطلب على التديّن الديماغوجي الشعبوي . إنّ هذا الجانب الهام مما دعاه المراقبون والصحفيون ب « عودة الدين » ( أو الصحوة الدينية ) ، يدل في الواقع على تفسّخ الخطاب الروحي والاستخدام المبتذل أو الرديء للقرآن نفسه . لقد تشكّلت نسخة مبسّطة جدا عن تاريخ الوحي وأصبحت في متناول المؤمنين
--> - وصف الأشياء كما هي ، قبل أن تنقل إلى مرحلة تالية من النقد والتقييم . ولذلك يبتدئ أركون دراسته باستعراض ما يقوله التراث الإسلامي عن الوحي ، ثم ينتقل بعدئذ إلى نقد هذا التصور ، أو أشكلته ، أو الكشف عن إهماله للبعد التاريخي والانتربولوجي . وعندئذ يوسّع المفهوم ويقدّم عنه صورة جديدة كليا . * نلاحظ أن أركون سوف يقوم أولا بتفكيك المفهوم التقليدي للوحي ، هذا المفهوم المسيطر على البشرية منذ آلاف السنين ، وذلك قبل أن ينتقل إلى المرحلة التالية المتمثّلة بإعادة تقييم هذا المفهوم المركزي وبلورة فهم آخر جديد له . وعملية التفكيك هي ما يدعوه بالأشكلة : أي جعل المفهوم إشكاليا بعد أن كان يفرض نفسه علينا كشيء بديهي غير قابل للنقاش . فالصورة التقليدية السائدة عن الوحي في الأديان التوحيدية الثلاثة تفرض نفسها علينا بحكم العادة ، والقرون المتطاولة . وينبغي تفكيك هذه الصورة الراسخة في الأذهان والعقول لكي نعرف كيف تشكلت ونشأت أول مرة .